خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 3 من رمضان 1447هـ الموافق 20 /2 / 2026م
رَمَضَانُ شَهْرُ الْقُرْآنِ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،؛ )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]. وَاعْتَصِمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها.
أَمَّا بَعْدُ:
فَهَا نَحْنُ -عِبَادَ اللَّهِ- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرِ الْخَيْرِ وَالْغُفْرَانِ، شَهْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ([البقرة:183]، رَمَضَانُ، شَهْرُ تَحْقِيقِ التَّقْوَى وَتَحْصِيلِ الْهُدَى، وَبُلُوغِ الْمُنَى وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، فَهَنِيئًا لِمَنْ عَمَرَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَتَعَرَّضَ لِنَفَحَاتِ رَبِّهِ فِي رِفْعَةِ دَرَجَاتِهِ وَمَغْفِرَةِ زَلَّاتِهِ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ].
شَهْرٌ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ كِتَابُ الرَّحْمَنِ، مَأْرِزُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمَلَاذُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ( [البقرة:185] ، كِتَابُ النُّورِ وَالشِّفَاءِ وَالرَّحْمَةِ، قَالَ تَعَالَى: ) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( [يونس:57-58]، كِتَابُ الْهِدَايَةِ وَالْبِشَارَاتِ وَالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْوَاضِحَاتِ ، )إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ([الإسراء:9]، بِهِ يَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ الظُّلَمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ الضَّلَالِ إِلَى الهُدَى، )يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( [المائدة:16].
فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَنَا، وَخَبَرُ مَا بَعْدَنَا، وَحُكْمُ مَا بَيْنَنَا، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ قَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَمَلُّ مِنْه الصُّلَحَاءُ، لَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَنْطَفِئُ بِالتَّرْكِ وَالْهَجْرِ، قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (لَوْ طَهُرَتْ قُلُوبُكُمْ مَا شَبِعَتْ مِنْ كَلَامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ).
كِتَابٌ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا تَخْبُو أَنْوَارُهُ وَفَوَائِدُهُ، قَالَتِ الْجِنُّ لَمَّا سَمِعَتْهُ ) إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ( [الجن:1-2]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَل، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
أَحْسَنُ الكُتُبِ كَلَامًا، وَأَبْلَغُهَا بَيَانًا، وَأَحْسَنُهَا نِظَامًا، وَأَبْيَنُهَا حُكْمًا وَإِحْكَامًا، ) وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( [فصلت:41-42]، سَمِعَهُ الْعَرَبِيُّ الْبَلِيغُ الْعَارِفُ بِأَشْعَارِ الْعَرَبِ وَقَصِيدِهِ، الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ عَنْهُ مَعَ كُفْرِهِ بِهِ: (وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً – أَيْ: رَوْنَقًا وَحُسْنًا -، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى، وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ).
عِبَادَ اللهِ:
لِمَكَانِةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ كَانَ سَيِّدُ الْمَلَائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ لِيُلَاقِيَ سَيِّدَ الْخَلْقِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ لِيُدَارِسَهُ الْقُرْآنَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِكْثَارِ مِنَ التِّلَاوَةِ فِي رَمَضَانَ لَيْلًا، فَإِنَّ اللَّيْلَ تَنْقَطِعُ فِيهِ الشَّوَاغِلُ، وَيَجْتَمِعُ فِيهِ الْهَمُّ، وَيَتَوَاطَأُ فِيهِ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ عَلَى التَّدَبُّرِ).
وَكَانَ السَّلَفُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، يَرْجُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ وَيُصْلِحُونَ بِهِ قُلُوبَهُمْ، كَانَ الْإِمَامُ الزُّهْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ قَالَ: (إنَّمَا هُوَ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ)، وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَتَيْنِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَفِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، وَأَخْبَارُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَعِنَايَتُهُمْ بِآيِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ مَحْفُوظَةٌ مَشْهُورَةٌ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَوَارِيُّ أَحَدُ زُهَّادِ السَّلَفِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِنِّي لَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنْظُرُ فِي آيِهِ فَيَحِيرُ عَقْلِيْ بِهَا، وَأَعْجَبُ مِنْ حُفَّاظِ الْقُرْآنِ كَيْف يَهْنِيهِمُ النَّوْمُ، وَيَسَعُهُمْ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَهُمْ يَتْلُونَ كَلَامَ اللَّهِ؟! أَمَا إِنَّهُمْ لَوْ فَهِمُوا مَا يَتْلُوْنَ، وَعَرَفُوا حَقَّهُ وَتَلَذَّذُوا بِهِ وَاسْتَحْلَوُا الْمُنَاجَاةَ بِهِ؛ لَذَهَبَ عَنْهُمُ النَّوْمُ فَرَحًا بِمَا رُزِقُوا).
فَانْكَبُّوا -عِبَادَ اللَّهَ- عَلَى كِتَابِ رَبِّكُمْ، وَوَجِّهُوا وُجُوهَكُمْ إِلَيْهِ، اقْرَؤُوْهُ بِتَدَبُّرٍ وَتَأَمُّلٍ، وَاشْغَلُوا بِهِ لَيْلَكُمْ وَنَهَارَكُمْ، اعْمَلُوا بِأَحْكَامِهِ، وَانْظُرُوا فِي حِكَمِهِ، وَصَدِّقُوا بِإِخْبَارِهِ، وَاتَّعِظُوا بِقَصَصِهِ وَأَخْبَارِهِ، يَقُولُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَأَمَّا التَّأَمُّلُ فِي الْقُرْآنِ؛ فَهُوَ تَحْدِيقُ نَاظِرِ الْقَلْبِ إلَى مَعَانِيهِ، وَجَمْعُ الْفِكْرِ عَلَى تَدَبُّرِهِ وَتَعَقُّلِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِإِنْزَالِهِ، لَا مُجَرَّدُ تِلَاوَتِهِ بِلَا تَفَهُّمٍ وَلَا تَدَبُّرٍ، قَالَ تَعَالَى: )كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ([ص:29]).
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَن لَّا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَزَالُ يُلْقِي بِشِبَاكِهِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، لِيُغْوِيَهُمْ وَيَصُدَّهُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَيُلْهِيَهُمْ عَمَّا يُرْضِي رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَيَشْغَلَهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَيُغْرِيَهُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِالنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَالصُّحْبَةِ السُّوءِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِهِ وَيَنْتَبِهْ لِأَعْدَائِهِ؛ ضَاعَتْ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ سُدًى، وَذَهَبَتْ بَرَكَةُ سَاعَاتِهِ دُونَ فَائِدَةٍ، وَقَلَّتْ عِنَايَتُهُ بِكِتَابِ رَبِّهِ وَالِاسْتِفَادَةُ مِنْهُ، يَقُولُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (لَا شَيْءَ أَقْبَحُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَافِلًا عَنِ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ وَالْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْهَمَجِ الرِّعَاعِ الَّذِين يُكَدِّرُونَ الْمَاءَ وَيُغْلُونَ الْأَسْعَارَ، إِنْ عَاشَ عَاشَ غَيْرَ حَمِيْدٍ، وَإِنْ مَاتَ مَاتَ غَيْرَ فَقِيدٍ).
فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ أَنْ يَنْشَغِلَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِهِ فِي مَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ وَنُزُولِ النَّفَحَاتِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْغَلَهُ الزِّيَارَاتُ الْكَثِيرَةُ وَالْمَجَالِسُ الطَّوِيلَةُ، وَوَسَائِلُ التَّوَاصُلِ غَيْرُ الْمُفِيدَةِ؛ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَالتَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى بِتَدَبُّرِ كَلَامِهِ.
اسْتَغِلُّوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِالْإِقْبَالِ عَلَى مَا يُقَرِّبُكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (إِنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَخُذُوهَا بِالنَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَأَلْزِمُوهَا الْفَرَائِضَ)، وَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَاعَتِهِ، فَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، وَدَاوِمُوا عَلَى مُجَاهَدَةِ أَنْفُسِكُمْ مُسْتَحْضِرِينَ حَلَاوَةَ الْعَاقِبَةِ وَجَمِيلَ الْمَآبِ )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ( [العنكبوت:69].
وَخِتَامًا عِبَادَ اللهِ:
فَالْوَطَنُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنْحَةٌ مِنَ الْمَوْلَى جَلِيلَةٌ، فَحَافِظُوا عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ بِاجْتِمَاع الْكَلِمَةِ، وَوَحْدَةِ الصَّفِّ، وَالِاجْتِمَاعِ وَنَبْذِ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، فَالْأَمْنُ وَالْأَمَانُ وَالْمُعَافَاةُ وَالِاطْمِئْنَانُ: مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ المُسْدَاةِ مِنَ الْوَاحِدِ الْمَنَّانِ، فَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ: فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى صَاحِبِ الوَجْهِ الأَنْوَرِ وَالْجَبِينِ الْأَزْهَرِ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَدِمْ نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ دِينَكَ وِكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَوَفِّقِ - اللَّهُمَّ - أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجَعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة